ابن أبي الحديد
33
شرح نهج البلاغة
قال المغيرة : فما منعك منها يا أمير المؤمنين ، وقد عرضك لها يوم السقيفة بدعائك إليها ، ثم أنت الان تنقم وتتأسف ، قال : ثكلتك أمك يا مغيرة ! إني كنت لأعدك ( 1 ) من دهاه العرب ، كأنك كنت غائبا عما هناك ! إن الرجل ماكرني فماكرته ، وألفاني أحذر من قطاة ، إنه لما رأى شغف الناس به ، وإقبالهم بوجوههم عليه ، أيقن أنهم لا يريدون به بدلا ، فأحب لما رأى من حرص الناس عليه ، وميلهم إليه ، أن يعلم ما عندي ، وهل تنازعني نفسي إليها ! وأحب أن يبلوني بأطماعي فيها ، والتعريض لي بها وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرضه على ، لم يجب الناس إلى ذلك ، فألفاني قائما على أخمصي مستوفزا حذرا ولو أجبته إلى قبولها لم يسلم الناس إلى ذلك ، واختباها ضغنا على في قلبه ، ولم آمن غائلته ولو بعد حين : مع ما بدا لي من كراهة الناس لي : أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها على : لا نريد سواك يا أبا بكر ، أنت لها ! فرددتها إليه عند ذلك ، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سرورا . ولقد عاتبني مرة على كلام بلغه عنى ، وذلك لما قدم عليه بالأشعث أسيرا ، فمن عليه وأطلقه ، وزوجه أخته أم فروة ، فقلت للأشعث وهو قاعد بين يديه : يا عدو الله أكفرت بعد إسلامك ، وارتددت ناكصا على عقبيك ! فنظر إلى نظرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسه ، ثم لقيني بعد ذلك في سكك المدينة ، فقال لي : أنت صاحب الكلام يا بن الخطاب ؟ فقلت : نعم يا عدو الله ، ولك عندي شر من ذلك ، فقال : بئس الجزاء هذا لي منك ! قلت : وعلام تريد مني حسن الجزاء ؟ قال : لأنفتي لك من اتباع هذا الرجل ، والله ما جرأني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك ، وتخلفك عنها ، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك . قلت : لقد كان ذلك ، فما تأمر الان ؟ قال : انه ليس بوقت أمر بل وقت صبر ، ومضى ومضيت . ولقى الأشعث الزبرقان بن بدر فذكر له ما جرى بيني وبينه ، فنقل ذلك إلى لابن أبي بكر ، فأرسل إلى بعتاب مؤلم فأرسلت إليه : أما والله
--> ( 1 ) ب ( أعدك ) .